ابن بسام
150
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
/ أخاطبك مذكّرا ، أو بأيّ مقال ألاطفك مصبّرا ، وقد أذهلتني فجأة الخطب ، وتركتني طائر القلب واللبّ ، وقد رماني ساعد الزمان حين رماك ، وأصماني سهمه كما أصماك ، وثارت إليّ فجائعه من حيث ثارت إليك ، ودارت عليّ وقائعه من حيث دارت عليك . ولو كان ما طالعني خطرة حلم ، لكفى به داعية بثّ وألم ، فكيف إذا كان يقينا يقطع أمل المؤمّل ، ويبطل رجاء المرتجي المتعلّل ؟ ! . وورد كتابك الجليل ناطقا بلسان الرزيّة ، مقصدا « 1 » سهم الفجيعة في المعتز باللّه ، ابنك ، ومعتمدي - كان - فإنّا للّه ! ! أيّ رزء ما أفظعه في القلوب ، وأيّ خطب ما أشنعه في الخطوب ، وأيّ مصاب ما أحقّه بالأسى « 2 » ونبذ الأسى ، لولا أمر اللّه تعالى . ولا أجد - أيّدك اللّه - لهذه الفادحة قدرا ، ولا أقيس بها أمرا ، ولا أكاد أقول في مثلها صبرا ، فإنها سالبة الأذهان ، وجامعة الأحزان ، وخبيثة الحدثان ، وكبيرة « 3 » نوائب الزمان . وفي فصل منها : ونحن مأمور فينا ، ومحكوم علينا ، يملكنا خير المالكين ، ويحكم فينا أعدل الحاكمين ، ولو شاء اللّه لم يخلقنا ، فضلا عمّن خلق منّا ولنا ، وقد أنعم اللّه عليك بنعمى متّعك « 4 » بها ما شاء ، ثم صنع في بعض ما شاء ، فإن تقابل بالاحتساب قدره النّازل ، وبالتفويض / قضاءه العادل ، فأحر بحزنك أن يعود سرورا ، وبصدعك أن يكون بثواب اللّه مجبورا . وله من أخرى في مثله « 5 » : كتابي عن نفس مستطارة بلوعتها ، وكبد مذابة بروعتها ، وعن قلب شعاره برح الجوى ، وأعشاره نهب الأسى ، تفجّعا لما فجعك ، واشتراكا في عظيم المصاب معك ، وأسفا على من فقدناه فقدان السّمع والبصر ، ورمينا فيه بأفظع الحوادث والغير ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، بها يعتصم العارفون ، وإلى حقيقتها يرجع المسلمون . وإنّ كتابك ورد منبئا عن صورة حالك ، وتوفية « 6 » رزئك حقّه من الأسف ، وإعطاء
--> ( 1 ) ل : ومقصدا . ( 2 ) العطاء الجزيل : بطول الأسى . ( 3 ) في النسخ : وكثيرة . ( 4 ) في النسخ : منحك ، والتصويب عن العطاء الجزيل وزاد فيه بعد اللفظة « اللّه » . ( 5 ) وردت في العطاء الجزيل : 63 . ( 6 ) العطاء الجزيل : في توفية .